أبي منصور الماتريدي

102

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا [ ما هو الأصلح ] « 1 » له في الدين والدنيا في حقه ، فهذا جملة اعتقادهم ، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه ؛ لأنهم يقولون : في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح ، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح ، وإفناء الأنبياء والرسل - عليهم السلام - كان « 2 » أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح ؟ ! فليقولوا هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له ألا يؤتيهم ، وإن كان شرّا فعليه ألا يؤتيهم ؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي . ثم الملك اسم عام ، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية ، والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء ، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه ، وقد يكون المرء مالكا ، وليس بملك ، وقد يكون ملكا ليس بمالك ، فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى [ غير ما ] « 3 » يقتضيه الآخر . وجائز أن يكون [ تأويل ] « 4 » قوله : بِيَدِهِ الْمُلْكُ ، أي : ملك كل من ملك من أهل الأرض بيده ؛ لأنه إن شاء أبقى له الملك ، وإن شاء نزعه ؛ فما من ملك في دار الدنيا إلا وملكه في الحقيقة لله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . امتدح نفسه تعالى [ بأنه على ما يشاء قدير ، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضا ومن قول المعتزلة ] « 5 » : إنه على أكثر الأشياء غير قدير ؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئا ؛ فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله تعالى ، ويجعلون ظهورها بالله - تعالى - فقط ، وإذا كان كذلك فإنه « 6 » لم يصر قادرا على شيئية الأشياء ، وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد . ومن قولهم - أيضا - : إن إقدار العبد بيد الله ، وإذا أقدر عبدا من عبيده على الهداية ، خرجت القدرة من يده ؛ فتصير « 7 » هذه القدرة مستفادة لا ذاتية ، وإذا كان كذلك فقد نفوا

--> ( 1 ) في أ : الملك أصلح لهم . ( 2 ) في ب : إن كان . ( 3 ) في أ : لم . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : بأنه على كل شيء قدير ، وذلك من الأوصاف اللازمة للربوبية أيضا ، وقول المعتزلة . ( 6 ) في ب : فهو . ( 7 ) في أ : فكثير .